حسناء ديالمة

65

الفكر التربوي الإسلامي عند الإمام جعفر بن محمد الصادق

ولا مجال لإنكار انتشار الغناء واللهو في الحجاز وأقاليم أخرى في الدولة الأموية كالعراق والشام ، فذلك ما تؤكده كثير من الروايات ، وتؤيده دواوين الشعراء وموروثات الأدباء ، وبرغم اختلاف الروايات في مدى ذلك الانتشار وتعبيره عن حقيقة الحياة في المجتمع الأموي في خطّها العام ، ومهما كان في هذه القصص من المبالغة ، فالأساس صحيح . هذا وقد أسهم عدد من خلفاء بني أمية وأبناء الخلفاء في نشر الموسيقى والغناء واستعمال آلاتها ، على أن آخرين منهم كعمر بن عبد العزيز كانوا يرفضون ذلك ويقاومونه « 1 » . أما العباسيون ، فقد رفضوا في مطلع عهدهم التعاطي باللهو والغناء ، « كالمنصور الذي كان يعيّر آل الزبير بحبّهم للطرب والموسيقى » « 2 » ، ولكن عددا من الخلفاء العباسيين اشتغل فيما بعد بصناعة الموسيقى والتلحين ، حتّى شاع اللهو في البلاد ، ومال الناس إلى الغناء والرقص والتفنّن في الملبس ، وكان من الترف والفراغ أنّ شاع التّسرّي ، وتعاطي الناس المسكرات سرّا وعلنا ، « ولقد كان هذا نتيجة حتمية للاختلاط بالأجناس الأجنبية ، والثقافات المغايرة ، وأيضا لإطلاق الحريات في جميع الميادين » « 3 » ، وقد أثّر ذلك تأثيرا بالغا في الحياة الاجتماعية . لقد كان هذا الحال واضحا في العصر العباسي إلا أنّ هذا كان من شأن طائفة فقط ، ولم يكن شأن الجميع ، « فما كانوا كلّهم أغنياء ولا كلّهم هازلين ، وما كان ذلك لأمة من الأمم في أي عصر من العصور . . . إنّما هو يمثّل ناحية واحدة من نواحيها المتعددة ووجوهها المختلفة » « 4 » كما نرى في هذا العصر ، تيار الزهد والتقوى الذي غير الوضع قليلا كتقشف وزهد سفيان الثوري « 5 » ، وعبد اللّه بن المبارك « 6 » ، فقلدهم الناس وساروا في طريقهم .

--> ( 1 ) علي بن الحسين المسعودي ، مروج الذهب ومعادن الجواهر ، دار الفكر ، بيروت ، ط 5 ، 19973 ج 1 ، ص 321 وج 5 ، ص 156 و 157 . ( 2 ) محمد كاظم مكي ، المدخل إلى حضارة العصر العباسي ، دار الزهراء ، بيروت ، 1990 ، ص 421 . ( 3 ) محمد سعد القزاز ، الفكر التربوي في كتابات الجاحظ ، دار الفكر العربي ، مصر ، 1995 ، ص 79 . ( 4 ) أحمد أمين ، ضحى الإسلام ، ج 1 ، ص 126 . ( 5 ) سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري ( 97 - 161 ه ) من بني ثور بن عبد مناة ، كان سيد أهل زمانه في علوم الدين والتقوى ولد ونشأ في الكوفة ، وراوده المنصور العباسي على أن يلي الحكم فأبى ، وخرج من الكوفة ، فسكن مكة والمدينة . له من الكتب « الجامع الكبير » و « الجامع الصغير » كلاهما في الحديث و « الفرائض » وكان آية في الحفظ . ( الزركلي ، الأعلام 3 / 105 ) . ( 6 ) عبد اللّه بن المبارك بن واضح الحنظلي بالولاء ( 118 - 181 ه ) الحافظ ، شيخ الإسلام ، -